الكاتبة فضية الأحمدي: أضواء المدينة وذكريات أبي.


الكاتبة فضية الأحمدي: أضواء المدينة وذكريات أبي.



قريةٌ وادعة لم تنتهك طرقاتها أضواء المدينة ، ولم يخترم مسامعها أزيز المكيفات .. وطفلةٌ دون السادسة من عمرها تغرس يدها الصغيرة في كف والدها ، تندسُّ فيه عن ظلمة الليل وحفيف النخيل الجليل ..

كان شطر الليل إلا قليلا قد طوي في شطره .. توقف صوت (الموتور) الذي الذي يسقي المزرعة من البئر العميقة .. وبين البيت والمزرعة حوالي كيلين من الأمتار ..

أخذ أبي بيسراه (الفانوس) وبيمينه يدي الصغيرة ومضينااا ..

البيت على رابية من الأرض ، والمزرعة في منخفض عنه ، والطريق بين المزارع ضيقة متعرجة ، وحفيف النخيل مخيف يبعث في مخيلة الصغيرة ألف حكاية للرعب …

وصلنا المزرعة ، والبئر في ركنها ، بئرٌ عميقة ضُرب حواليها بسياج أخذ من الأرض حوالي أربعة أمتار في ثمانية ، من بداية السياج تنزل بك إلى البئر درجات طينية عميقة ، أخذت تلك الدرجات لون الزيت ولزوجته حتى ليكاد الرجل أن يزلق منها .. ودون البئر بحوالي درجات ثلاث وضُع (الموتور) ب (سيره) الطويل لدفع الماء في المجاري المخصصة له ..

أوقفني حبيبي في بسطة مربعة عند منتصف السلم ونزل ليصلح (الموتور) ..

الظلام يلف المكان إلا شعلة من الفانوس بيني وبين أبي يصلح على ضوئها (الموتور) .. ورهبة الليل تجعل القلب يخفق بسرعةٍ كأنه يستجدي الخوف الانقشاع .

عجيبٌ هو قلب أبي عجيب !! يجمع بين كل تلك الجسارة وكل هذا الحنان حتى لا تدري أي بشرٍ هو !!

ظلَّ حبيبي يصلح (الموتور) وظللتُ تدور في رأسي ألف حكاية للرعب !! وكلما وصل بي الرعب غايته ناديته “أبويه” فيجيبني قبل أن أنهيها “نعم .. هاه .. خلَّصتْ خلاص”

منذ تلك الليلة المحفورة في الذاكرة عرفتُ أنْ ليس للظلام إلا أبي ، وأنْ ليس للأمان إلا أبي ، وأنْ ليس للصبح إلا أبي !.

#طبت حياً وميتا ياأبي • فضية


1 التعليقات

    1. 1
      فضية الأحمدي

      طيَّب الله ثراه ، وتغمده بواسع رحمته سبحانه
      وشكر الله لكم

      الرد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كود الـ HTML متاح للوسوم والكلمات الدلالية : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>