بقلم  : حسين حمزة محمود عويضه: #رمضان أيام زمان


بقلم  : حسين حمزة محمود عويضه: #رمضان أيام زمان


 

_________

شهر رمضان المبارك … شهر الإيمان والقرآن .. شهر الصيام والقيام .. أَوَد  في هذه الحلقة .. أن أتحدّث فيها عن رمضان وذكرياته وتجليّاته .. في مدينتنا المنورة .. فَلها في ذاكرتنا رصيد من أجمل وأعرق وأبهى الذكريات التي عشناها وشاهدناها على ثرى هذه الحبيبة المباركة .. والتي تَطَيَّبت بهجرة وسُكنَى ومرقد سيد البشر وخاتم الأنبياء والرُّسُل سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .. فتعطّر كل شبر من أرضها .. وكل حِفْنة من ترابها .. وكل ذرّة من هوائها .. بخطواته .. وَوَقْع أقدامه الشريفة .. وَزفِير أنفاسه الطاهرة النفيسة .. وازدادت عِزّا وشرفا عندما كُتِب الصيام فيها .. حيث كان ذلك في السنة الثانية من الهجرة الشريفة .. وصام وقام صلى الله عليه وسلم في كل رمضاناته التسع التي عاشها ..  في رحابها .. فنالت الشرف الذي لم تنله أرضٌ قبلها .

أكرمنا الله بسكنى المدينة .. كنا ومازلنا نشْتمّ هذا العَبَق .. ونتلحَّف بِرِدَاء هذا الشرف .. ونُنْسِج من ذكرياتنا فيها خيوطا مضيئة .. تُوقد في وجداننا شيئاً من الأمل .. بل كل الأمل  .

كانوا ومازالوا أهل المدينة لهم في شهر رمضان تجليّات .. وجماليّات .. وترتيبات خاصة ..  يستعدّون لإستقباله من شهر رجب .. ويزداد الشوق إليه في شعبان .. حيث يبدؤون فيه شراء حاجاته ولوازمه من الأواني النُحاسية والفُخارية ( الصّاج والمِلْقَاط .. والزبادي والملاعق .. والمغاريف والكاسات .. والمشربيّات والأزيار  ) .. وكذلك المواد الغذائية ( الدقيق وزيت القَلِي .. وحَبَّ الشُرْبَة والدُقَّة .. والأباذير والمفرومة والجُبنة الحِلوة .. والمهلبيّة وقَمَر الدّين وشراب التُوت  … ) .

 

لا يهنأ للكثير من سُكّان المدينة فُكُوك الريق والإفطار في رمضان إلا في الحرم الشريف .. وبالجوار الكريم .. حيث تُنصَب سُفَر الإفطار في كل أرجائه بعد صلاة العصر مباشرة  .. وقد توارثت بعض هذه الأُسَر إقامة هذه السُّفَر أبَّا عن جد .. حيث يجتمع حولَها قبل أذان المغرب حَشْدٌ من الصائمين .. غنيُّهم وفقيرهم .. كبيرهم وصغيرهم .. في مشهد أَخَوي وإيماني فريد .

 

ويمتد هذا المشهد الجميل في صلاة العشاء والتراويح حيث يمتلئ المسجد المبارك وساحاته بالمصلين والمعتكفين .

ومن الجَمَاليات التي كانت تطفو

على ثَرى المحرُوسة في رمضان و في خِضَم ذلك الزمن الجميل .. كُنّا نرى في حاراتها وأحواشها .. في أسواقها ومتاجرها .. بَسَاطة وتلقائية .. ونَلْمَح في أهلها النيّة الطيبة .. والإيثار والمحبة والأخوّة .

من بعد صلاة العصر تزدحم الأسواق والطُرقات .. لشراء مستلزمات الإفطار .. سوق العيّاشة .. وسوق الفاكهة .. وباب المصري .. والخان ( الذي يُطلق على سوق الخُضرة  ) وتَسمَع أصوات الباعة ترتفع بتلك العبارات الجميلة  ( عبِّي فطُورك ياصائم  .. عَبّي سحُورك ياصائم ) حيث تزدحم المخابز لشراء الخُبز والشِّريك .. من تلك الأفران والمخابز المشهورة والمعروفة .. مثل الكعكي والعُمَري ومحمد صلاح و الأحمدي  وغيرهم .

 

وتَتَهادى العائلات والجيران الأطعمة والمشروبات الرمضانية فيما بينهم قبل الإفطار .. في أجواء أُسريّة وأخويّة رائعة .. وقد تجد الأسرة قد أعدّت نوعا واحدا أو إثنين للإفطار ..  بينما تجد المائدة قبل المغرب مُدجّجة بعدة أصناف من المأكولات هدايا من الأقارب والجيران .. ومن الجميل في الأمر .. كانت سيّدة البيت حريصة على بقايا المأكولات حيث يتم تناولها في وجبة السحور  .. أو في فطور اليوم التالي حفاظا على النِّعمة .

 

أمّا الحارات والأحواش التي كانت تزهو .. من أول يوم في رمضان .. حيث تُنصب المراجيح للأطفال وينتشر الباعة البُسطاء بعرباتهم الممتلئة بالتِرمِس والفُول والحُلبَة والبليلة يجوبون بها الأزقّة والحارات

 

وفي أواخر شهر رمضان ترى المسجد النبوي الشريف .. يزدحم أكثر بالمصلين والمعتكفين .. وكانت لاتُقفل أبوابه في العشرة الأخيرة من رمضان إطلاقا .. قبل أن يصدر الأمر الملكي الكريم في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته بفتح أبواب الحرم النبوي على مدار الساعة .. وقد كان القرار فرحة كبيرة لأهل المدينة وزوارها والمسلمين قاطبة  .

و كان الشيخ عبدالعزيز بن صالح رحمه الله ومعه ثُلّة من الأئمة الكرام يختمُون القرآن الكريم في صلاتي التراويح والتهجد في ليلة التاسع والعشرين من رمضان  .

وتبدأ الأسواق والمحلات  تتزاحم أكثر في العشرة الأخيرة لشراء كِسوة العيد .. وترى الزحام يشتد .. في شارع العينية وسويقة والعنابية والروميّة وباب المجيدي والساحة والسحيمي والمناخة .. وترى البقالات والمتاجر تَنصُب خارج محلاتها البسطات لبيع حلويات ومكسّرات العيد وصدقة الفِطر .

 

وأختم حديثي بتلك العادة الجميلة والعمل النبيل الذي كان سائدا في الكثير من الميسورين والقادرين من أهل المدينة .. الذين كانوا يحرصون على تلمّس إحتياجات أقاربهم وجيرانهم وأصدقائهم .. وأيضا الفقراء والمحتاجين من الأسر والعائلات الذين لا يسألون الناس إلحافا .. ويُوصلون لهم الزكاة و الصدقات وكسوات العيد في سريّة تامة تجنُّبا من إحراجهم وحفاظا على كرامتهم .

 

هذه لمحات ومشاهد مُختصرة عن رمضان زمان في المدينة .. على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم  . اسأل الله الكريم كما بلّغنا وإياكم شهر رمضان أن يُعيننا على صيامه وقيامه ويكتبنا جميعا من عتقائه من النار إنه واسع المغفرة كريم العطاء .

 

وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا  .

 

وللحديث بمشيئة الله

بقية  .. ولكم كل التحية .

————————————-

بقلم / حسين حمزة محمود عويضه

المدينة المنورة

واتس ٠٥٠٥٣٠١٧١٢

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كود الـ HTML متاح للوسوم والكلمات الدلالية : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>