بقلم  : حسين حمزة محمود عويضه / بعض #أسواق_المدينة القديمة  (3)


 بقلم  : حسين حمزة محمود عويضه / بعض #أسواق_المدينة القديمة  (3)



 

_________

 

عندما يكتب المَرء عن مدينة أحَبّها الله فارتضاها سكنا ومرقدا لحبيبه وصفوة خلقه صلى الله عليه وسلم .. تَعتَريه رَجفَة من هَيبتها .. وشَرف من قُدسيتها .. وفخر بمكانتها .. ونَشْوة وسرور من طِيبها .. فهي طَيِّبَةٌ بساكنها عليه الصلاة والسلام  .

وودت هنا قبل البدء بمضمون الحلقة .. أن أُشير بأنّه لم يكن  القَصد والمَرمى من هذه الحلقات وذكرياتها .. ذِكْر المعالم والأعلام والآثار والأشخاص .. أو لاستعادة ذكريات الماضي الجميل لهذه المدينة المباركة فقط .. إنّما الهدف الذي يتصدّر ما سبق هو .. رَصْد وإيضاح المواقف المضيئة .. والأخلاق النبيلة .. والتضحيات العظيمة .. والمَوْرُوثات الجميلة .. التي كان يتّصف بها ويتوارثها أهل المدينة ..

 

متأثرين بشرف الجوار الشريف ..كي يستفيد ويتأسّى ويقتدي بها أبناؤنا وبناتنا وأحفادنا .. لتكون لهم بعد حفظ الله ..طَوْق نجاة من مخاطر تُحيط بنا و بِعَالمنا اليوم من غزو فكري مُنحل .. وبث إعلامي هابط مُعتَل .. وانحطاط أخلاقي مُبتذل  .

 

والآن أواصل معكم الحديث عن موضوع أسواق المدينة القديمة .. وتذكيرا لما سبق طرحه في عدد من حلقات سابقة .. أنّ تناولي لموضوع المدينة في الماضي .. ينحصر في حقبة زمنية محدّدة .. تبدأ من بعد منتصف الثمانينات الهجرية .. وهي الفترة التي بَدَأتُ أستوعب ما حولي من أحداث وأنا في سن الطفولة .. وأنّ أكثر هذا السرد هو من مخزون الذاكرة ليس إلّا  .. فأرجو المعذرة .. إذا غابت عنّي بعض المعلومات أو نسيت ذِكْر بعض الأشخاص و الأماكن والمحلات .. وأُحيل القارئ الكريم إذا أراد الإطلاع على معلومات أكثر عن المدينة وماضيها .. فهناك الكثير مِمَن سبقُوني من الكُتّاب الأجلاء .. والمؤرخين الفضلاء .. الذين كتبوا بشكل أوسع وأتقن ..في هذا الجانب .ُ

 

السوق الذي أكتب عنه اليوم .. هو سوق له أهمية إقتصادية عند أهل المدينة  .. وهو سُوق يلتصق بعدّة أسواق .. كما لا يقل أهمية عن الأسواق التي تَحَدثنا عنها .. حيث يتواجد في وسط المدينة وهو   :

سوق باب المصري

يقع هذا السوق غرب المسجد النبوي الشريف وسوق سويقة .. وهو عبارة عن ساحة واسعة تصطف به المحلات التجارية المختلفة .. ولهذا السوق عدة منافذ لأسواق أخرى مجاورة .. فهناك منفذ إلى شارع العينية .. وآخر إلى سوق سويقة .. وآخر الى سوق بيع الأواني المنزلية ومسجد السيدة فاطمة ..

وهناك منفذ واسع يؤدي إلى شارع المناخة .. وآخر يؤدي إلى سوق العيّاشة .. و كان يُعتبر باب المصري أحد الأسواق التجارية المهمة في وسط المدينة .. والقريب من المسجد النبوي .. وأتذكّر وُجود شجرة كبيرة في أحد جنباته تُظلّل مساحة كبيرة منه .. و تُسمى باسمه ( شجرة باب المصري ) ..

وَيَصطفّ على جوانب السوق عدد كبير من المحلات التجارية مختلفة الأنشطة .. فهناك عدد من محلات بيع العطارة .. أذكر منهم .. العطّارين الكرام .. الرحيلي والمرواني وأبو درب والعم عبدالعزيز فرغلي رحمه الله والعم حمزة أبو غرارة رحمه الله والد الدكتور علي .. ووالد زميل المتوسطة الصديق العزيز الدكتور المهندس زياد أبو غرارة .. وهؤلاء كانوا من رموز العطّارين ومن خيرة الناس ..

 

وهناك أيضا محلات لبيع المواد الغذائية .. من الرز والسكر والشاي والبُنْ والهيل وغيرها .. أتذكر منهم .. محل العم عبدالعزيز شاهين حفظه الله هذا الرجل .. من خيرة تُجار المدينة .. يتصف بالأدب والوقار وأعمال الخير  .. وأيضا من ضمن هذه المحلات محل العم أحمد عصُر .. ومحل العم عثمان سَفر ..  ومحل العم عبد العزيز نور رحمهم الله .. وكانوا من أخيار الناس وأطايبهم .. كما أنّ عند مدخل سوق الأواني المنزلية .. تجد دكان العم محمد صيّاده رحمه الله والد الصديق طارق صيّاده .. وأمامه معرض كبير لبيع أفخم أنواع الأواني المنزلية لصاحبه العم رضا عبدالعال حفظه الله .. كما هناك محل العم صالح دردُوم رحمه الله للصّرافة بالقُرب من محل العم عبدالهادي أبو عوف رحمه الله ..

 

وأتذكر في أحد صفوف هذا السوق .. محل كبير لبيع الحلويات لصاحبيه الأخوين الكريمين العم سليمان الأحمدي رحمه الله والد جاري العزيز الدكتور حامد طبيب العيون .. والعم نغيمش الأحمدي حفظه الله .. وهما معروفان بسماحتهما وطيبتهما  و لهما أياد بيضاء كثيرة في فعل الخير .. وهناك الكثير والكثير من المحلات الذي يحتويها هذا السوق .. وأيضا تجد في ساحة هذا السوق وتحت ظل الشجرة الكبيرة .. يتربّعن بعض النساء المُسِنّات بأقفاصهن وسلاّتهن يبعن البيض والدجاج البلدي الحي والمراوح والمكانس الخَصَف واللّيف وغيره .. وهُنّ يَسعَين باجتهاد وجُهد ليحصُلن على رزقهن من عَرَق جِبَاههن .. وعلى الرغم  أن سوق باب المصري مركز تجاري كبير في ذلك الزمن .. إلّا أنّ في ساحتة .. كانت تُنفّذ الأحكام القضائية والحدود الشرعية على من صدرت بحقهم العُقوبة .. مِثْل حَدّ الجلد وقطع اليد والقصاص ..حَمَانا الله وإياكم والمسلمين   .

إضافة إلى ذلك فإن هذه الساحة تراها تَعُجّ في مواسم ومناسبات العام بالبسطات والزّحام .. ففي منتصف شهر شعبان تتناثر بسطات بيع لوازم واحتياجات  ( سيدي شاهن ) مثل الفِشَار والمِشَبّك والزرمباك والمكسرات . وفي رمضان يزدحم السوق قبل الإفطار ببيع الشِرِيك والخبز والطعمّية و مشروبات رمضان السُوبية وشراب التوت والتمر الهندي  .. وفي الليل بيع البليلة والبسبُوسة والأَقَر  .. وفي أواخر رمضان تنتشر بسطات بائعي حلويات العيد .. وقُبَيل الحج ينتشر في تلك الساحة بائعو هدايا الحُجّاج من السُبَح وسجّاد الصلاة والحِنّة واللبان و العطور والعطارة  وغيرها  .

 

هذه تقريبا صورة وصفية اجتهادية مصغّرة .. لسوق باب المصري أحد أهم أسواق المدينة القديمة  .

من الأمور الجميلة والمحمودة التي كانت تلتصق بأهل هذه الأسواق الطيّبين جيران الحبيب صلى الله عليه وسلم  .. البَسَاطة والقناعة والصدق والمحبة والأخوّة والشَهامة والقلوب الطيبة والنيّات الصافية .. إنها بركة الجوار الشريف .. التي نسعى ونطمح جميعنا .. أن نتحلّى بها .. ونزرعها في سلوكيات أبنائنا وأحفادنا لِيَمتد الخير والبِرّ والسعادة من الخَلَف الصالح إلى السلف الواعد بإذن الله تعالى  . والله المستعان

 

وصل اللهم وسلم على نبينا وشفيعنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا  .

وللحديث بإذن الله بقية

وللجميع كل التحية

——————————

حسين حمزة محمود عويضه

المدينة المنورة

واتس ٠٥٠٥٣٠١٧١٢

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كود الـ HTML متاح للوسوم والكلمات الدلالية : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>