بقلم : حسين حمزة محمود عويضه / بعض أسواق المدينة القديمة (5)


بقلم : حسين حمزة محمود عويضه / بعض أسواق المدينة القديمة (5)



الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده .

أدعوكم و بكل سرور لِنُبحِر معًا في حلقة جديدة .. عن المدينة .. المنوَّرة بنورحبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم .. نمخُر عُبَاب ماضيها التليد .. نلتقط من قاعها اللآلئ الثمينة .. ونَستَلُّ من غِمدِها الذكريات الجميلة .. نَشتَمُّ عبقها .. ونستلهم العِبَر والدروس منها  .

 

أواصل معكم بقية الحديث والوصف عن الجزء الثاني والصَّفَّ المقابل الآخر .. للسوق الذي بدأناه الحلقة السابقة وهو     :

( سوق العيّاشة )

أبدأ الوصف وكأنّي مُتّجه إلى الشارع العام حيث مبنى البلدية سابقا .. ومن خلفي سوق باب المصري .. وعن يساري الجزء المُراد وصفه .. والذي يبدأ بمحلات بيع الحِبَال الشاميّة ومستلزمات البناء .. أذكر منها  .. محل العم مصطفى قارة رحمه الله .. والد المهندس نزيه قارة .. ويليه محل العم صالح التهامي رحمه الله لبيع الأقمشة ..  بعده محل العم محمد المصري رحمه الله لبيع الخبز و الشِرِيك ومواد التعتيمة ( الهريسة واللَّبنية والشَشَنِي والجبن والزيتون والفتوت   ….. ) بعده محل العم عبدالرحيم حسن عويضه رحمه الله لبيع البُن والهيل والشاي وهو والد محمد ورضا عويضه  رحمهما الله  .. ويأتي في ذلك الصف محلات بيع الجُبُن والزيتون  .. حيث محل العم حمزة فيزو رحمه الله والد الزميل المربي الفاضل الأستاذ جميل فيزو .. هذا الرجل ربطتني به زمالة وصداقة طويلة .. يتّصف بأخلاق عالية واستقامة ونِيَّة صافية .. وهو من ذَكَّرني و ساعدني في هذه الحلقة بأسماء و معالم وأصحاب هذا السوق .. ومن ضمن محلات بيع الجُبن محل العم عبدالكريم مقنص رحمه الله .. والعم عبدالرحمن العامودي رحمه الله والد الدكتور عبدالرحمن رحمه الله أستاذ العلوم الدينية في معهد المعلمين الثانوي ومدرسة ثانوية طيبة سابقا .. وشقيقه الزميل العزيز الخلوق الأستاذ حسن .. ثم محل العم أحمد السيسي رحمه الله والد زمِيلَِيْ الدراسة المتوسطة العزيزين الدكتور طبيب حمزة السيسي و شقيقه الأستاذ عمر  .. وفي منتصف هذا السوق دَخْلَة صغيرة تؤدي إلى قهوة ( كافيه في صورة تقليدية ) .. تُسمَّى قهوة الشبراويشي .. وهي تُزَوِّد أصحاب السوق باحتياجاتهم من الماء والشاي والقهوة …. وهي مَقَر ومركز يلتقي فيه أصحاب السوق وغيرهم للإسترخاء و المؤانسة ..

 

وكان أصحاب المخابز ( الفرّانة ) يعقدون اجتماعاتهم ولقاءاتهم فيها  …. ومن ضمن المحلات الموجودة في ذلك السوق .. محل سِيْدِي إبراهيم عبدالرحيم عويضه رحمه الله .. لبيع الهيل والبُن والشاي وغيره .. وهو أحد كبار العائلة .. وهو عَمْ والدتي رحمها الله شقيق والدها .. وهو والد المربّي الفاضل الأستاذ عدنان عويضه .. يليه محل العم محمد الحيدري رحمه الله .. والد الأستاذ سعود الحيدري .. وأيضا محل العم محمد أبو الفِرع لبيع المواد الغذائية بالجُملة .. والد الأخ والصديق المهندس أحمد أبو الفرع .. وكذلك محل العم صادق قاضي رحمه الله ..  وبعده .. محل العم عبدالعزيز العقل رحمه الله الرجل الطيّب جارنا في الزاهديّة مجموعة محلات لِثُلَّة من المحبِّين والمجاورين الكرام .. من إخواننا وأشقائنا البُخارية لبيع الأحذية والحقائب .. وفي نهايته مصنع ثلج أعتقد أنه يعود للسيد حبيب محمود رجل الأعمال المعروف رحمه الله  .

هذا وصف تقريبي متواضع لمحلات سوق العيّاشة .. الذي يزدهر أكثر في مواسم رمضان والحج كباقي الأسواق المحيطة .. حيث تنتشر البسطات لبيع الشِريك والفَتُوت والأجبان والأمبة والمخللات والحلويات وغيرها  .

وبالمناسبة سَعِدتُّ قبل يومين  بحديث مع جاري العزيز الحبيب الخلوق المهندس أنور مصطفى  الياس .. وكيل أمين المدينة السابق .. هذا الرجل .. يملك من صفات الأدب .. والوقار .. وحُسنَ الخُلق .. ما يُجبُرك على احترامه وتقديره .

قال لي في حديثه ونحن نتناقش في مواضيع هذه الحلقات .. أن السيد والده العم مصطفى الياس رحمه الله كان له متجرا في سوق سويقة .. فعلا  فقد غاب عني ذِكْرُه .. وَذِكْر آخرين أيضا في حلقة ذلك السوق  .. وأؤكد أن ذلك كان من النسيان ليس إلَّا  … مع العلم أني أعرف أن العم مصطفى الياس كان متجره في يسار السوق وأنا مُتّجه إلى الحرم وكان رحمه الله من وجهاء السوق  .

كما روى لي المهندس أنور قصة مُعَبِّرة وجميلة حدثت في محيط الأسواق التي نحن بصددها و  في تلك الحقبةالزمنية .. أرويها  لكم باختصار ..

أحترقت في السوق إحدى البقالات بالكامل .. وكانت المصدر والدَّخْل الوحيد لرزق صاحبها .. الذي كان من خيرة التُّجَار .. و قد تأثَّر الرجل كثيرا لفقد محَلَّه .. كما تأثر معه جميع أهل السوق .. و من باب التعاون و التكاتف والتعاضد المعهود في أهل المدينة .. انطلق أحد رجال السوق من النَشامة .. إلى جميع أصحاب محلات السوق .. وطلب منهم التبرع لصاحبهم المنكوب  بماتجود به النفس من مال  .. مساعدة ومؤازرة له في مصيبته .. فتدافع الجميع ودفعوا ما استطاعوا به لصاحبهم .. وعندما جاء الرجل المتطوّع ..  يطلب التبرّع من أحد أعيان و أثرياء السوق .. سأل التاجر الثري الرجل .. كم جمعت من المال  ؟ قال كذا .. قال أرجع وَرُدَّ كل ماجمعته من مال لأصحابه .. وهذا مبلغ من عندي يُماثله بل أكثر منه ..أذهب به لصاحبنا المنكوب .. وقُل له هذه هَديَّة من أخٍ لك .. يُحِبُّك في الله .. ولاتُخبره ولا تُخبر أحدا بإسمي .. فتعجَّب الرجل و سأل التاجر .. لماذا تفعل ذلك  ؟ قال أنا أعرف صاحبنا جيدا سوف يتأثر معنويا .. وتنهار نفسيته أكثر .. عندما  يعلم ويتصوّر أنَّ كل أصحاب السوق تبرعوا ودفعوا له .. فيبقى مكسوراً و مدينا لهم  كل حياته .

 

أود أن أشير في ختام الحلقة .. أن هذه الكوكبة من الرجال كانوا من أنقى الناس وأنبلهم .. كانوا مؤمنين خيِّرين صادقين أصحاب نيَّات وقلوب صافية .. المحبة والأخوة والود والأدب والسماحة والتسامح والإيثار طوق جميل  يحيط بهم و يظهر جليا في أخلاقهم وسلوكهم .. لا غرابة في هذا إنه بركة الجوار إنهم جيران الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم  ..

أسأل الله الكريم أن يجعلنا وإياكم من أتباعه .. نَستَنُّ بسنته ونقتدي بهديه .. وأن يُبلغنا شفاعته يوم القيامة .. ونسعد ونفوز بجيرته في الفردوس الأعلى من الجنة  .

وصل اللهم وسلم على نبينا وشفيعنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا  .

وللحديث بمشيئة الله بقية

وللجميع كل التحية

————————————

حسين حمزة محمود عويضه

المدينة المنورة


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كود الـ HTML متاح للوسوم والكلمات الدلالية : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>