بقلم : حسين حمزة محمود عويضه /الصيف ومزارع وبساتين #المدينة


بقلم : حسين حمزة محمود عويضه /الصيف ومزارع وبساتين #المدينة



الحلقة الثالثة عشر من .. المدينة الحُبّ الذي يسكن فِينَا .. وذكرياتها الجميلة ..

_________
الحمد لله وحده .. والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .. وبعد :
في هذه الحلقة .. أنطلق وبِمَعَيّتِكم .. إلى ضِفّة أخرى .. تختلف عن مسار الأسواق القديمة .. التي سأطوي صفحتها .. وأقفز إلى سكّة أخرى .. نسير فيها معًا نُقَرِِّب المسافات .. ونستعيد الذكريات .. في وِجْهَة أخرى ليست بأقل أهمية من سابقتها .. هي :
مزارع وبساتين المدينة وأهلها ..
وفصل الصيف فيها ..
وقبل أن أدلف إلى عُمق الموضوع .. أُشير إلى أن الزراعة كانت ومازالت .. مهنة يمتهنُها لفيف .. من سكان المدينة .. بحكم طبيعتها الجغرافية أنّها بلد زراعي منذ القِدَم . والدولة حفظها الله .. كانت ومازالت تُولي جانب الزراعة فيها اهتماما كبيرا .

نَسْتَقِلُّ معًا عَرَبَة الماضي التليد .. ننظر من نافذتها .. إلى الزمن الجميل .. والناس الطيبين المباركين .. ونمضي نستمتع ببهاء تلك المزارع .. التي كانت تُحيط بالمدينة .. كما العِقْد يحيط بالرَقبة .. ونستعيد الماضي بجماله .. من وسط خَضَارِهَا وآبارها .. نستنشق العِطر من فُلِّهَا و نِعنَاعَها .. و نتذوّق طعم العنب .. ونشتمُّ رائحة الورد و الفَاغِية .
كان المرء في المدينة إذا رغب أن يُمَتِّع ناظريه .. ويشاهد النخيل .. ويستمتع بالهواء العليل .. يتّجه مباشرة إلى :
قُباء .. والعوالي .. وقربان .. ووادي العقيق .. وبطحان .. وبئر عثمان .. حيث تقع بساتين زمان .. وجَمْعَة الأهل والخِلَّان .
وهناك الكثير من المزارع المشهورة .. والكبيرة بالمدينة .. المشهورة بإتساع مساحتها .. وكثرة نخيلها .. وجودة ثمارها .. وغزارة مائها .. أذكر منها من باب العلم لا الحصر :
العِهِن .. سُوَالة .. الصويبري .. الصُفَيٌَة .. القوين .. العباسبة الخريجية .. البوصة والنشير .. الأزهري ..العدنانية .. السالمية .. المدافعية .. الشُربتلية .. وغيرهم كثير .

إعتاد كثير من أهالي المدينة .. في فصل الصيف .. في الزمن الماضي .. مِمَّن يمتلكوا المزارع .. ينتقلوا بأُسَرِهم من منازلهم إلى مزارعهم .. يقضوا فترة الصيف كاملة فيها .. والبعض منهم مِمَّن لايملك مزارع خاصة .. لكنهم يمتهنوا حِرفة الزراعة .. ويعشقوا العمل والتجارة بها .. فإنهم يستأجروا بعض المزارع من أصحابها .. فترة الصيف .. وتُسمى العملية ( شراء الصيف ) .. فيقوم المستأجر .. بالإنتقال بأهله إلى تلك المزرعة .. يمكثوا فيها فترة الصيف كاملة .. ويقوم بإستثمار نتاج تلك المزرعة .. وذلك للتجارة .. وكسب المال .. وإشباع ميوله وعشقه للزراعة .. فيحصد يوميا ثمارها .. من الرطب والخضروات والفواكه وغيرها .. ثم يحملها على ظهر سيارة نقْل .. أو عربيّة (الكَرُّو) وكانت تُسمى( البُقْعَة ) ويُرسلها إلى سوق حراج الفاكهة .. والذي كان عبارة عن ميدان موقعه أمام الخان ( سوق الخضرة ) القديم القريب من مدخل التاجوري .. والمحمودية .. وحوش منصور .. وكانت ( البُقعَة ) يبدأ نزولها من قَبل منتصف الليل .. ويتم الحراج عليها .. بعد صلاة الفجر .

وكان أقرباء وأصدقاء وجيران أصحاب المزارع .. يقصدوهم في كثير من أيام الصيف .. ليقضوا عندهم يوما كاملا أو أكثر .. وتُسمى ( القِيلَة ) .. يستمتع أطفالهم بالسباحة في مسبح المزرعة المبني من الحَجَر .. وكان يُطلق عليه ( البِركَة ) .. والضفادع تشاركهم أحيانا السباحة .. (والطحالب الخضراء ) .. يُغطي جزءا منها .. وأمام البِركَة .. ( البِرزَة والديوان ) .. وصوت الماكينة ( مضخّة الماء ) التي تجلب الماء من البئر يُطرِب الآذان .. والعين تسرح برؤية ( القَنْطَرَة ) التي ينساب منها الماء إلى أحواض الزرع .. ويقضوا النساء يوما جميلا مع بعضهن .. و هُنّ في معزل عن الرجال .. كما هُم أيضا الرجال .. يلتقوا معا في أجواء ممتعة .
كان الأقرباء والجيران والأحباب .. على تواصل دائم ومحبّة لا تنقطع .. وكان الجِيرَان .. مِثِل الأهل بل أكثر .. لا حسد .. لا غِيبة .. لا حقد .. لا قيل وقال .. نِيَّات صافية .. وقلوب طيبة .. وابتسامة دائمة .. الأب ينهر وينصح .. أبناءجيرانه وحارته .. بل يُعاقبهم إذا لزم الأمر .. كأنّهم أبناؤه .. والأمهات كذلك يفعلن .. مع بنات جيرانهن .. ينصحن و يُرشِدن ويَنْهَرن .. كأنهن بناتهن .

هكذا كانت الحياة بسيطة و جميلة والناس كانوا على الفِطرة .. يحرصوا في الإبتعاد عن الإساءة .. والخِصام .. والقطيعة .. وسوء النيّة .. بل يحرصوا دائما .. على إرتداء جِلْبَاب .. المحبّة .. والوِصال .. والإيثار .. والإحترام .. وإنكار الذات .. وحُب الخير للغير .. وحُسن النية .. يفرحوا لفرح غيرهم .. ويتكدّروا لكدرهم .. إذا أساء .. أو أخطأ أحدُهم .. إعتذر .. وإذا أُسِئ إليه .. سامح وغفر .. وإذا قال صَدَق .. وإذا وَعَد أوفى .. وإذا دُعي أجاب .. هذه كانت أخلاقياتهم .. إنها بركة الجوار الشريف .. من أجل ذلك .. كانت البَرَكة تُحيط بهم .. و تظهر في صِحَتهم .. ورزقهم .. واولادهم .. وأعمارهم .. وأعمالهم .. وأوقاتهم وفي كل حياتهم .
هذه الأخلاقيات الإسلامية السامية .. التي نتمنى أن تتجدّد وتعود لمجتمعنا .. ومن ثَمَّ نغرسها .. في أبنائنا وأحفادنا .. ومَن يأتي بعدنا لنحرص أن يكونوا .. عناصر صالحة .. فالحة .. فاعلة .. تخدم دينها .. ووطنها .. ومجتمعها .. ولِنَبقى .. كما كُنّا .. صورة جميلة .. يراها فينا الناس .. حيث كانت نَظْرة .. وقار .. واجلال .. وهَيْبة .. وإحترام .. لأنّنا جيران سيد الأنام .. رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .. هنيئا لنا بهذه الجيرة .. مكانة وشَرَفا .. ورفعة . اللهم ارزقنا الأدب فيها .

اللهم إحفظ بلادنا المملكة العربية السعودية من كل سوء ومكروه .. يارب العالمين .

وللحديث بمشيئةالله بقية
وللجميع كل التحية
————————————-
حسين حمزة محمود عويضه
المدينة المنورة

واتس ٠٥٠٥٣٠١٧١٢


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كود الـ HTML متاح للوسوم والكلمات الدلالية : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>