بقلم : حسين حمزة محمود عويضه /  #الزواج وذكرياته الجميلة في #المدينة .


بقلم : حسين حمزة محمود عويضه / #الزواج وذكرياته الجميلة في #المدينة .



الحلقة الرابعة عشر من .. المدينة الحُبّ الذي يسكن فِينَا .. وذكرياتها الجميلة ..

المدينة المنورة
_________
الحمد لله وحده .. والصلاة والسلام على من لانبي بعده ..
قبل أن أبدأ الحديث عن موضوع هذه الحلقة .. أستأذنكم في توضيح نقطة مهمة .. سبق وأن أشرت لها في حلقات سابقة وهي :
إنّ تدوين هذه الذكريات .. عن المدينة وأهلها وماضيها الجميل .. حدثت في حِقبة زمنية محدّدة .. بدأت تقريبا من بعد منتصف الثمانينات الهجرية .. وفي هذه الفترة الزمنية .. بَدَأَتْ الذاكرة ْ تُسجِّل ماتراه من أحداث .. و سبق أن أشرت .. أنَّ مرجعيتي في تدوين هذه المعلومات .. هو ما اختزنته الذاكرة .. إضافة إلى الإستعانة أحيانا ببعض الأصدقاء والأقران .. لذا أعتذر للكثير .. ممّن تواصل معي هاتفيا وشخصيا وعن طريق الواتس .. مُستفسرين عن سبب سقوط بعض أسماء الأشخاص والأماكن والمعالم في بعض المواضيع السابقة .. وأؤكد هنا أن هذا قد يرجع للنسيان .. أو حدوثه قبل التاريخ المنوّه عنه أعلاه ولم أدركه .. ليس إلاّ .. علما أنّ المقصد الرئيس من كتابة هذه الحلقات .. ليس فقط ذكر الأشخاص و المعالم و الآثار .. بقدر ماهو التركيز على إستخلاص واستنباط المواقف المؤثرة والنبيلة والأعمال الجليلة .. المُنبثقة من القِيَم الرفيعة والمبادئ العظيمة .. التي كان يحرص عليها أهل المدينة .. متأثرين بالجوار الشريف .. ومتأسّين بالجار الحبيب عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم .
ومن يرغب من حضراتكم الإستزادة بشكل أوسع في هذا الموضوع فعليه الرجوع إلى إصدارات المؤرّخين والكُتّاب مِمّن سبقني في سرد أشمل وأوسع عن هذا الموروث .

الآن يسرني أن أبدأ معكم موضوع الحلقة .. الذي يتمحور حول جانب و بُعد إجتماعي يستحق تناوله وهو :

الزواج وذكرياته الجميلة في المدينة

كان الزواج ومراسيم إقامته في المدينة .. يدنُو كثيرا إلى البَسَاطة والتيسير .. بعيدا عن البهرجة والتباهي والإسراف مثل ما يحدث اليوم .
حيث يبدأ مشروع الزواج .. عندما يبدأ الإبن التفكير فيه .. حينها تبدأ الأم والأخوات في البحث عن الزوجة المناسبة لإبنهم في محيط الأقرباء و الجيران .. حيث كانت البيوت في الأحواش والحارات قريبة جدا بل متلاصقة .. لذا كانت العلاقة بينهم حميمة و قوية بدرجة كبيرة .. لذلك كانت الأم أو الأخوات .. لا يجدن صعوبة في البحث عن زوجة لإبنهم في هذه الأوساط .. وكان من أهم شروط العريس في إختيار زوجته .. أن تكون ذات دِيْن وخُلق وسِتْ بيت ( ومعنى ست بيت عند أهل المدينة أن تكون الفتاة قادرة على إدارة بيتها من تنظيم و إعداد طعام وطبخ و نظافة و تربية الأولاد .. الخ ) وفعلا كانت الأمهات يحرصن كل الحرص في تربية بناتهن وتعويدهن على ذلك إستعدادا لهذا اليوم ..

وعند العثور على العروس المناسبة .. تتم الخِطبة عن طريق النساء .. بعدها يتم تحديد موعد النظرة الشرعية .. و كانت تُعرف عند أهل المدينة ( بالشُوفة ) .. ثم يتم تحديد موعد قراءة الفاتحة .. وهي عبارة عن ذهاب مجموعة من كبار رجال أهل العريس .. يتقدّمهم والد العريس وأعمامه واخواله بدون حضور العريس .. يقصدون بيت أهل العروسة .. وكان توقيت موعد الفاتحة السائد في تلك الأيام .. مابين صلاتي المغرب والعشاء .. يتم من خلالها الخطوبة الرسمية من قِبَل أهل العريس في طلب إبنتهم زوجة لإبنهم .. ومن ثَمّ يتم الترحيب والقبول من جهة أهل العروسة .. ويقرأ الجميع سورة الفاتحة .. بِنَيّة البركة والتوفيق .. كانت مناسبة قراءة الفاتحة .. تَتّصف بالبساطة المُفرطة وعدم التَكلّف .. ليس كما يحدث اليوم .. من مظاهر البهرجة والتَكلّف والإسراف .. يتمثل في إقامة وليمة عشاء .. ودعوة حشد كبير من الناس .

بعد الفاتحة .. يتم موعد كتابة عقد القِرَان .. و كان يحرص أكثر أهل المدينة أن يُعقد في رحاب المسجد النبوي الشريف .. وبالتحديد في خوخة أبي بكر الصديق رضي الله عنه .. وأتذكر مِنَ المأذونين الشرعيين قديما ( الشيخ محمد مُلّا إمام مسجد قباء سابقا .. والشيخ أمين مرشد .. والشيخ السيد عباس صقر .. والشيخ عمر فلاتة مدرس دار الحديث .. والشيخ صالح الردادي .. رحمهم الله جميعا ) … ويتم بعدها إقامة إحتفالية عقد القِران .. وكان يُطلق عليها ( التَسْلِيم ) أو ( الشَبْكَة ) .. يقيمها أهل العروس يستقبلوا فيها أهل العريس .. وكانت في منتهى البساطة والتواضع .. بعكس مايحدث اليوم .. من مظاهر يتخللها كثير من البهرجة و الإسراف .. وإقامة وليمة العَشَاء للرجال والنساء .. وكثير من المدعوّين .. مما يُجبرهم إلى استئجار قصر أفراح .. حتى أصبحت تكاليف الشبكة تقترب إلى تكاليف حفل ليلة الزفاف .

وبعد احتفالية الشَبْكَة .. تُقام ليلة الزفاف وكان يُطلق عليها :
( ليلة الفَرَح ) .. أو ( ليلة الدُخْلَة ) .. كانت تُقام في الحارة والحوش .. حيث تُفتح بيوت الجيران في الحارة لإقامة المناسبة .. كأنّ الجميع هُم أهل الفرح .. كان هناك ترابط وتكاتف إجتماعي عجيب .. وتقارب وِدِّي بين الجيران والأقرباء والأصدقاء .. يظهر في تعاملهم و مناسباتهم .. كان هذا الترابط يصل إلى درجة السِبَاق لتقديم الدعم المالي والعيني لصاحب الزواج مساعدة له .. وتتمَثّل غالبا وفقًا لإمكانيات الشخص في تقديم ( كيس رز أو كيس سكر أو تنكة سمن أو خروف …. ) وكان يُسمّى هذا عند أهل المدينة ( القُود ) أو ( الجَمِيل ) أو ( الرِفْد ) .. ومن المؤسف أننا بدأنا نفتقد اليوم الكثير من هذه الصور الجميلة و من هذا الترابط والتكاتف الفريد .
بعدما كانت حفلة الزواج تُقام في الحارة والبيوت .. اتّسَع الأمر إلى إقامتها في بعض مباني المزارع الكبيرة .. لعدم وجود قصور مُخَصصة لذلك .. أتذكر منها ( الشُربَتليّة ) في قباء و ( عمارة بامحفوظ ) في أول باب قباء و ( مبنى الزاهدية ) في حي الزاهدية بقباء .. وبعدها بدأ رجال الأعمال في المدينة في تشييد قصور خاصة لحفلات الزفاف .. أذكر منها ( قصر بن بادي ) في العوالي و ( قصر ناصر ) في أول باب العوالي ( والفيروزية ) في بضاعة و ( السالمية ) في قربان و( قصر السعادة ) طريق المطار و ( قصر رانيا ) في حي سيد الشهداء وغيرها .. وكانت مناسبة الزواج تبدأ ( بقِيْلَة الحِنّة ) وهي وليمة غداء تقام يوم العُرس ..

يتم فيها تزيين العروس و ترتدي فيها اللَّبَاس المديني ( الشُرعَة المدينية ) المعروفة عند اهل المدينة .. وفي المساء يُقام العُرس .. وكانت الضيافة للنساء عبارة عن مايُسمى( بالتعتيمة ) وتتكون من الأجبان والزيتون والهريسة والشَشْنِي والفتوت المِبَذّر .. الخ .. وبعدها تطور الوضع إلى تقديم مايسمى ( بالمِيْز .. وهو عبارة عن حلويات وطُرطَه وكيك وبتفورات وفواكه …. الخ ) . يبقى أهل الزواج في القصر إلى مساء اليوم الثاني للعُرس .. ففي صباح اليوم الثاني وتُسمّى ( الصَبَاحِيَّة ) وتُقدّم فيها وجبة الإفطار المكونة .. من ( الزَلبِيّة واللِقُِيْمات وتشكيلة من الأجبان والزيتون والمِرَبّى .. الخ ) ( تُقَدّم لأهل الزواج ) .. وفي الظُهُر تُقام وليمة غداء تسمى ( الصَبْحَة ) .. وبانتهائها تُختَتَم إحتفالية الزواج .

هذا توصيف مُبَسّط .. وصورة مصغّرة لمظاهر الزواج في طيبة الطيبة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم في ذلك الزمن الجميل .
وأتمنى أن تعود تلك البَسَاطة وذلك التيسير و التواضع .. إلى أعراسنا اليوم .. بدل مانحن فيه من بهرجة وتكاليف وصرف وإسراف بلغ عنان السماء .. وأصبح الزواج عبئاً ثقيلا على الناس .. وعائقاً كبيراً أمام كثير من أبنائنا الشباب في طَرق باب الزواج .. والله المستعان .

وللحديث بمشيئة الله تعالى بقية
وللجميع كل التحية
————————————
حسين حمزة محمود عويضه
المدينة المنورة

واتس٠٥٠٥٣٠١٧١٢


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كود الـ HTML متاح للوسوم والكلمات الدلالية : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>