إضافة نوعية جديدة لأعمال “بيت الترميم” في صيانة مخطوطات عمانية متحجرة


إضافة نوعية جديدة لأعمال “بيت الترميم” في صيانة مخطوطات عمانية متحجرة



مسقط/العمانية /

في كل مرة تعمل “بيت الترميم”، على إيجاد إضافة نوعية على أعماله التي يحاول من خلالها إيجاد نهج مغاير في الحفاظ على مكتسبات التراث الإنساني العماني المادي.

مؤخرًا استطاع مختصو المؤسسة العمل على صيانة كتب مخطوطة وصلت إلى المعمل من قبل أحد المواطنين، وتؤكد القراءة الفنية لهذه الكتب أن حالتها البنيوية (الـمادية) عبارة عن كتلة متحجرة من العفن والبكتيريا تغلغلت في جميع الصفحات، بالإضافة إلى الملوثات الأخرى كالطين وبقايا الحشرات، إلى جانب جفافها وتيبسها وتحجرها، نتيجة لعدم حفظها بطريقة سليمة، مما عرضها لتلف نسيجي في الورق بشكل كامل.

في هذا الشأن وما يتعلق بصيانة هذه المخطوطات يقول أحمد بن خالد الخروصي، مساعد مدير “بيت الترميم”: بعد وصول هذه المواد إلى المعمل من قبل أحد المواطنين، تم تقييم إصاباتها مبدئيًا، وتبين بأنها تحتوي إصابات من الدرجة الأولى، وهي عبارة عن إصابات فطرية وبكتيرية لا تزال نشطة، وهو يعد نشاطًا بيولوجيًا خطيرًا، بالإضافة إلى تعرضها لارتفاع قديم في نسبة الحموضة مما أدى لجفافها وتيبسها وتغير لونها، هذا إلى جانب وجود تشربات وبقع لونية عديدة وقديمة أدت إلى ضعف وتهلهل في نسيج الأوراق، هذا إلى جانب وجود أخاديد وأنفاق داخل بعض الأوراق بسبب النشاط الحشري الذي أحدثه النمل الأبيض والسمك الفضي وديدان الكتب، أضف إلى ذلك وجود مخلفات صلبة ملتصقة بكتلة الورق، كلوح معدني وبقايا معدنية وغيرها. وأضاف الخروصي: على أثر ذلك تم أولا إجراء عمليات التعقيم، وذلك بهدف التخلص من جميع الكائنات الحية الدقيقة كالفطريات والبكتيريا، والتأكد من توقف نشاطها، وعدم ظهورها مرة أخرى.

بعد ذلك تمت إزالة الوبر الفطري والـمستعمرات الفطرية وأبواغ الفطريات بطريقة فنية معينة، وبعدها تم فك الأوراق الملتصقة بعضها ببعض بطرق فنية احترافية وبحرص شديد تضمن عدم تلفها، ثم تم إجراء عمليات التنظيف الميكانيكي أو ما يعرف بالتنظيف الجاف وذلك بهدف إزالة العوالق الصلبة من الورق، كالذرات المعدنية وفضلات الحشرات الملتصقة بتلك الأوراق ومخلفات الفطريات والطين والغبار وبقايا الحشرات وغيرها، وبعد ذلك تم فحص مستوى الحموضة للتأكد من تعادلها وذلك للتأكد أنها في الحدود الآمنة التي لا تسبب ضررًا مستقبليًا للورق.

وفي شأن العمل أشار الخروصي: لاحقاً تم فرز الأوراق التي تم استخراجها من هذه الكتلة المختلطة والمتحجرة، وتبين أنها عبارة عن مصحف عماني، إلى جانب مخطوط عماني آخر في الفلك، حيث تم فرزه من قبل المفهرسين، الذين قاموا بترتيب الصفحات.
كما تمت معالجة الأوراق الجافة والمتيبسة بمحاليل التطرية الطبيعية وبنسبة تتناسب مع درجات التيبس وذلك بهدف إعادة المرونة إليها، والحيلولة دون تكسرها. موضحا من خلال حديثه أنه تمت صناعة ورق للترميم بنفس لون وسمك الورق الأصلي لهذه المواد وذلك باستعمال ألياف نقية مقاومة لأمراض الورق، بعدها تم الترميم بالطريقة اليدوية، حيث إن القوانين العالمية تمنع صيانة المخطوطات بالطريقة الآلية تمامـًا، إذ تسبب تلفيات خطيرة في الـمِداد والورق على حد سواء، كما تمت عمليات خياطة الكتب بالطريقة العربية التي كانت شائعة في المخطوطات العمانية، بالإضافة إلى تحبيكها بالحبكة العمانية للمخطوطات، كذلك تم تجليد الكتب بالطريقة العمانية القديمة التي تحمل قيم الـمرونة والـمتانة والصلابة ودقة التنفيذ، ثم بعد ذلك تم تجهيز جلود طبيعية لغرض
التجليد، وختمها بالختم العماني وهو عبارة عن الزخرفة العمانية التي يتم تنفيذها على الجلد، وذلك بطريقة الضغط التي كانت سائدة في الماضي وليس بطريقة الحرق، حيث يتسبب تنفيذ الختم بطريقة الحرق في إحداث أضرار بالورق على المدى البعيد، وأخيرًا تم تفصيل صناديق حفظ لهذه المواد لغرض الحفظ الدائم لها.

يشار إلى أن بيت الترميم هذا هو مؤسسة عمانية رائدة تعمل تحت شعار “نمنح الـمخطوط عمرًا آخر” وهي تقوم بصيانة الـمخطوطات والـمطبوعات القديمة ومُحاكاتها، بدأت نشاطها في أعمال صيانة الكتب في عام 1993م كعمل تطوعي وتمتلك كوادر مؤهلة في معالجة وترميم وتجليد المخطوطات والمطبوعات القديمة، إضافة إلى تجهيز أماكن الحفظ وفقًا للأسس الـمتبعة عالـميًـا في هذا الشأن، إلى جانب الـمساهمة في تجهيز الـمعارض والـمتاحف وأماكن حفظ المخطوطات.

وتشمل الرؤية الاستراتيجية لبيت الترميم الذي حصل على “أن يكون مركزًا متميزًا في صيانة وحفظ المخطوطات على مستوى المنطقة”. وذلك من خلال رسالته التي تتمثل في”القيام بتعقيم، ومعالجة، وترميم، وتجليد، وحفظ المخطوطات، بالإضافة إلى التعاون مع الجهات الـمعنية، والـمشاركة في رفد الـمصادر التاريخية”. وتتمحور أهداف بيت الترميم في “الـمساهمة في الحفاظ على الهوية التاريخية العمانية، بالإضافة إلى رفع مستوى المعرفة لدى المجتمع بأهمية الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، والطرق الصحيحة للتعامل معها”.
بيت الترميم حصل على جائزة السلطان قابوس للعمل التطوعي في دورتها الأولى عام 2011م في صيانة الـمخطوطات والـمطبوعات وخلال السنوات الثلاث المنصرمة قام بصيانة (1439) كتابًا مخطوطًا وأكثر من (2500) كتابًا مطبوعـًا.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كود الـ HTML متاح للوسوم والكلمات الدلالية : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>