حوار:حازم
في زمنٍ يتسارع فيه نبض الابتكار، لم يقف الشاب السعودي المبدع يزيد مكتوف الأيدي في انتظار الفرص الوظيفية التقليدية. مدركاً الإمكانيات الهائلة التي تزخر بها المملكة في قطاع السياحة والتراث، قرر يزيد تحويل تحدي البطالة إلى فرصة للريادة. وبدلاً من البحث عن وظيفة، قام بإنشاء وابتكار تطبيق تقني مميز ليقدم للسياح تجربة استكشاف فريدة ومبتكرة. قصته ليست مجرد قصة نجاح فردي، بل هي نموذج ملهم لطموح الشباب السعودي في ترجمة الشغف إلى مشاريع تنموية تخدم مستهدفات رؤية 2030.
فإلى مضابط الحوار :
تحدث .. من أنت في اختصار.؟
أنا يزيد بن خالد بن عبد الرحمن الشمراني، وُلدت وترعرعت في مدينة ينبع الصناعية.
مثل أي طفل كانت أحلامه كبيرة، تمنّيت في طفولتي أن أكون يومًا ما رجل أعمال. رغم أن والدي وخالي لم يكن لهما علاقة مباشرة بريادة الأعمال، إلا أن والدي كان يُمثل الحلم، وخالي كان يُمثل الطموح. ومن هذا المزيج، بدأت رحلتي في بناء شخصيتي الريادية منذ الصغر.
كنت أبحث عن أي فرصة للتعلّم، فحضرت العديد من الدورات المجانية، والتي كان استلام شهادتها يتطلب دفع قيمة الدورة. لم تكن رغبتي في الشهادة، بل في بناء ذاتي. كنت مؤمنًا بأن العلم في حامله لا في ورقه، وأن التميّز يبدأ من الداخل لا من السطر الأخير في الشهادة.
بعد أن أنهيت المرحلة الثانوية، اخترت أن أكمل دراستي في محافظة العلا، في الكلية السياحية، بتخصص إدارة الفعاليات. كان هدفي واضحًا منذ البداية، وبوصلتي تتجه نحو الاستثمار في السياحة. أكملت دراستي، ثم بدأت رحلة البحث عن وظيفة تمنحني الاستقرار، لكن القدر كان يُعدّ لي طريقًا آخر.
ولادة الفكرة
في يومٍ ما، استمعت إلى بودكاست يتحدث عن “الاستعمار الإلكتروني الغربي”، وكيف أن الغرب بدأ يستعمر الشرق ثقافيًا عبر أسلوب الحياة والإعلام. حينها اشتعل في داخلي سؤال: لماذا لا نكون نحن من نُصدر ثقافتنا؟ لماذا لا نُعرّف العالم بنا كما نحن؟
ومن هنا وُلدت الفكرة… أن أنشر ثقافة بلادي، أن “نستعمر الغرب بثقافة الشرق”، ولكن بطريقتنا نحن، بأسلوبنا، بقيمنا. قلت لنفسي: نحن من أسّس العلوم، فكيف لا نستطيع أن نبتكر؟ نحن من أنار العالم بالمعرفة، فكيف لا نُعيد له وهجه بثقافتنا؟
بدأنا بالبحث عن الاسم الذي يُجسد الفكرة والهوية، فكان “جادوا الثقافية” هو الاسم الذي اخترناه. “جادوا” لأنها تجود على الناس بكرمها وعطائها. أما “الثقافية”، فهي امتداد لأصلنا وهويتنا ومصدر فخرنا.
من هنا، بدأت الرحلة مع شريكتي أسيل، حيث بدأنا بتأسيس هذا الكيان من لا شيء، ومعنا مجموعة من الحالمين الذين أفتخر بهم. هم مصدر الإلهام والقوة، وهم الذين حوّلوا الحكاية من فكرة تُروى إلى تجربة تُعاش.
خططنا لـ “جادوا” بعناية، وبنينا استراتيجية تمتد لتسع سنوات، لكل عامٍ منها أهداف واضحة تقودنا نحو رؤيتنا الكبرى.

أما الهدف الحقيقي فكان ولا يزال: أن يعيش الزائر قصتنا لا أن يسمعها، أن يشعر بكرمنا لا أن يقرأ عنه، أن يرى السعودية من الداخل، من نبضها، من دفء إنسانها، لا من بعيد. نريد أن نحول السياحة إلى قصة تُعاش لا قصة تُروى، وأن نجعل التجربة أجمل ما يكون.
جادوا والذكاء الاصطناعي
ومع تطور الفكرة، بدأنا في بناء شخصية “جادوا” الرقمية، عبر نموذج ذكاء اصطناعي متطور يتحدث كل اللغات ويصمم التجارب بناءً على الاحتياجات النفسية والمالية والاجتماعية لكل فرد.
تبدأ رحلة العميل في تصميم البرنامج السياحي المتكامل له، حيث يستطيع الذكاء الاصطناعي تحديد السمات النفسية وكافة الاحتياجات مثل: هل هو فرد أم عائلة؟ هل هم أصدقاء أم حديثو زواج؟ يقوم الذكاء الاصطناعي بتحديد كافة هذه التفاصيل، ومن ثم يقوم بتصميم التجربة المتكاملة حسب السمات النفسية والاحتياجات الاجتماعية وميزانية الشخص بشكل كامل، ليحظى السائح بتجربة متكاملة مبنية على احتياجه، وسهلة الدفع والمتابعة. كل برنامج هو قصة بطلها السائح ومخرجها “جادوا”، لها بداية وذروة ونهاية تحكي قصتنا وقصة أمجادنا.
يرتب البرنامج السياحي بالكامل بضغطة زر، ويحجز التذاكر، ويقدم صفحة دفع واحدة، ليصبح الرفيق والمستشار الذكي الذي يروي ثقافتنا بأسلوب مبتكر يجعل من الزائر جزءًا من الحكاية لا مجرد مشاهد لها.

الإنجاز العالمي
لقد حظينا بتوفيق من الله عز وجل، بفرصة المشاركة في برنامج التلمذة المهنية الذي يُقام في جامعة (Les Roches) بالتعاون مع منظمة السياحة العالمية (UN Tourism). يضم هذا البرنامج نخبة من الدكاترة في التخصصات السياحية، ويُطلق هذا البرنامج من رؤية فذّة تقودها حكومتنا الرشيدة، بتكليف لوزارة السياحة التي تُعدّ أبطالها وأهلها لاستقبال ضيوفها.
ولاستكمال البرنامج، يجب على الجميع أن يقدم مشروعًا. وها نحن نُبرز فكرتنا (Jado App) وقيمها. خمسة من الحكام، الذين يُعدّون من أهم وأقدم معلمي السياحة، ومن جنسيات مختلفة، قاموا بتقييم المشروع بناءً على خبرتهم ومعرفتهم.
لم تكن المنافسة سهلة أبدًا، وصدقوني لن ننضم لشيء المنافسة فيه سهلة؛ “لأننا سعوديون لا نهاب شيئًا”. وبفضل من الله، حققنا المركز الأول بأغلبية الأصوات.
وقد أشادت بنا وكيلة وزارة السياحة الأستاذة/ هند الزاهد. كما أثنت علينا جميع لجنة التحكيم، حيث مشكورين مدّوا لنا سواعد العون وطلبوا منا ألا نتردد في طلب المساعدة.

هذا الإنجاز وُلد من رحم السعودية، ونحن لا نحلم، نحن نحقق!
ومن هذا المنبر أؤكد أنا/ يزيد خالد الشمراني: أن من روحٍ سعودية وأيادٍ سعودية نسمُو بها للعالمية. نحن السعوديين لا نرضى إلا بالمركز الأول، وهذا الإنجاز نهديه لكل شاب وشابة سعودية تسعى… لنؤكد له أن للحلم بقية.
هذا “أنا” وهذا “جادوا”، و”جادوا” بالنسبة لي ليست مجرد شركة، إنها حلم وقضية، قضية أعيش وأعمل لتحقيقها ما حييت.
أشكر من القلب كل من ساهم في بناء هذا الحلم — فريقي العظيم، ووزارة السياحة التي مهّدت الطريق وسهّلته، وأمي، التي كانت ولا تزال مُلهمتي الأولى، وكل من قدّم لنا المشورة. هذا المشروع ليس لي؛ هو لمملكتنا الحبيبة.
